في مصر يغطون الشمس بغربال – مأمون فندي

في مصر الثورة متناقضات صارخة، ساطعة كالشمس، يراها الجميع إلا المصريين أنفسهم، أو أنهم يرونها ويطنشون، أو أنهم يغطون الشمس بغربال. أول هذه المتناقضات هو ما توصلت إليه لجنة الوفاق الوطني، بقيادة نائب رئيس الوزراء الدكتور يحيى الجمل (وزير سابق في عهد السادات) ومن بعده عبد العزيز حجازي (وزير مالية عبد الناصر ومن بعدُ رئيس وزراء)، وبالطبع ما زالت ثورة يوليو تحكم مصر، كما ذكرت في مقال «المنظمتين والشرعيتين»، اللتين تتصارعان على جسد مصر السياسي منذ 50 عاما مضت، وما هذا التناقض هو ما أقصده، فالتناقض الصارخ كان في التوصية التي أطلقتها لجنة حجازي والجمل التي لو طبقناها لتمت إقالة شيخ الأزهر وكل وزارة شرف، بما فيها رئيس الوزراء نفسه.. التوصية التي رفعتها لجنة الحوار الوطني برعاية رئيس الوزراء الدكتور عصام شرف، وتحت قيادة الجمل وحجازي، تقول بحرمان قيادات الحزب الوطني من ممارسة العمل السياسي لمدة 5 سنوات، أي منع هذه القيادات من الترشح للانتخابات الرئاسية والبرلمانية والنقابية والعمالية. كما تحرمهم التوصية من تأسيس أحزاب جديدة، وهذا الحرمان يشمل بالطبع أعضاء الأمانة العامة للحزب الوطني التي تشمل قيادات الحزب ومعظم رجال الأعمال المصريين، وحرمان أعضاء لجنة السياسات، التي كان يرأسها جمال مبارك، وهذه هي النقطة الأهم. فلو نظرت في قائمة أعضاء لجنة السياسات لوجدت فيها اسم رئيس الوزراء الحالي وتقريبا كل وزرائه باستثناء «الرجل الغلبان بتاع حزب التجمع»، جودة عبد الخالق، ومنير فخري عبد النور القبطي الوفدي، على الرغم من أنه ابن خالة يوسف بطرس غالي، أي له في الوطني جانب. غير هذين الرجلين، فإن كل وزارة عصام شرف كانوا أعضاء في الحزب الوطني وأعضاء في لجنة السياسات، وعينوا وزراء في السابق والآن لأنهم من قيادات الحزب الوطني ومن أعضاء لجنة السياسات.
فإذا كانت هذه هي التوصية فهل نتصور أن تحل وزارة شرف نفسها لأنها حسب التوصية محرومة من العمل السياسي، أم أن كلام الوفاق الوطني هو كلام تطييب خواطر لتهدئة الأوضاع وتقليل حجم المظاهرات، ويستمر رجال الحزب الوطني في الحكم كما كانوا، أم أن المراد من التوصية هو حرمان الجميع ما عدا أعضاء الحكومة، أو حرمان الجميع ما عدا رجال الأعمال المتعاونين مع الحكومة الجديدة؟ فأعضاء لجنة الحوار، التي بقيادة رجال في الثمانينات من عهدي عبد الناصر والسادات وبعضهم وزراء سابقون في عهود مبارك المختلفة، لو كانوا جادين، فليرفعوا لعصام شرف وحكومته لافتة «ارحل»، لكنهم لم ولن يفعلوا؛ لأنهم يغطون الشمس بغربال. يحرمون «الوطني» على الورق، ويبقى «الوطني» هو الحاكم على الطبيعة وعلى أرض الواقع. يتحدثون عن ثورة «25 يناير» مع أن الحكم ما زال في يد ثورة 23 يوليو ورجالاتها من أعضاء منظمة الشباب، تلك الحركة الفاشية التي حكمت مصر لأكثر من 50 عاما.
التناقض الصارخ بين توصية على الورق كتبتها لجنة الوفاق الوطني وبين الواقع لا يمكن تجاهله أو تطنيشه إلا في مصر؛ ففي مصر يمكنك أن تقول الشيء ونقيضه ما دمت «فهلوي» كفاية، أو أن لديك «شلة» أو عزوة إعلامية تصنع منك مفجرا للثورة في المساء، بينما أنت عضو في كل لجان مبارك خلال الـ30 سنة الماضية. وكما يردد المصريون واحدة من عبارات الأفلام الشهيرة «هي دي مصر يا عبلة». بالطبع لجنة جمال مبارك للسياسات انضم إليها كل من له اسم ذو حيثية في مصر، كاتبا كان أو أستاذ جامعة أو رجل أعمال، فكل رؤساء الجامعات الحاليين كانوا أعضاء لجنة سياسات، وكانوا أمناء للحزب الوطني، شيخ الأزهر نفسه كان عضوا في لجنة السياسات. فلو قبلنا أن توصية الوفاق الوطني بقيادة شرف والجمل وحجازي توصية جادة فلماذا الصبر على أكثر من 15 ألف قيادة من قيادات الوطني في الحكومات المحلية التي ما زالت تدير البلاد من تحت حتى الآن؟ ولماذا لم تجر إقالة واحد من رؤساء المدن أو الجامعات أو رؤساء النقابات الذين كانوا ضمن اللجان العليا للحزب الوطني؟
التناقض الثاني هو، بالطبع، حزب الإخوان المسلمين، فبينما يمنع الدستور المصري، كذلك الإعلان الدستوري، إنشاء الأحزاب على أساس ديني، أقام الإخوان المسلمون حزبا سموه «الحرية والعدالة». وبالطبع لا أحد في مصر يعرف حزب الحرية والعدالة، ولا حتى الإخوان أنفسهم، فالجميع يسميه حزب الإخوان. حزب على أساس ديني ضد الدستور عيني عينك، ولا أحد ينطق بكلمة واحدة، وذلك لأن الإخوان نجحوا في أن يضموا إلى حزبهم 10 أفراد من الأقباط، وبهذا انتفت الصفة الدينية عن الحزب، وهذا مثل آخر لمحاولة تغطية الشمس بغربال. ضم مجموعة أقباط إلى حزب الإخوان لاستيفاء الشروط، هو مثل ما يحدث في تكوين الشركات المصرية العائلية، أن يوقع بعض الشركاء بشكل صوري على ورق على أنهم شركاء، لكنهم لا يساهمون ولا يملكون، هم شركاء «كده وكده» على ورق. وهكذا يبدو أقباط الإخوان، شركاء على ورق.
ولكي تتعرف على الواقع بنفسك، أدعوك إلى أن تبحث بنفسك في محرك البحث «غوغل» عن حزب الحرية والعدالة وتقارن نتائج البحث مع بحث آخر عن حزب الإخوان المسلمين أو حزب الإخوان، وستعرف الفرق بنفسك، فعلى من يضحك المصريون؟ إنهم يضحكون على أنفسهم، وبعد الثورة، بعد أن أصبحت كل عيون العالم عليهم.

Advertisements